فخر الدين الرازي
416
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تبعك ، ومعناه لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين لا أترك منهم أحدا . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة أن الكل بقضاء اللّه من وجوه الأول : أنه تعالى قال في حق إبليس : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ فهذا إخبار من اللّه تعالى بأنه لا يؤمن ، فلو آمن لا نقلب خبر اللّه الصدق كذبا وهو محال ، فكان صدور الإيمان منه محالا مع أنه أمر به والثاني : أنه قال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فاللّه تعالى علم منه أنه يغويهم ، وسمع منه هذه الدعوى ، وكان قادرا على منعه عن ذلك ، والقادر على المنع إذا لم يمنع كان راضيا به ، فإن قالوا لعل ذلك المنع مفسد ، قلنا هذا قول فاسد ، لأن ذلك المنع يخلص إبليس عن الإضلال ، ويخلص بني آدم عن الضلال ، وهذا عين المصلحة الثالث : أنه تعالى أخبر أنه يملأ جهنم من الكفرة ، فلو لم يكفروا لزم الكذب والجهل في حق اللّه تعالى الرابع : أنه لو أراد أن لا يكفر الكافر لوجب أن يبقى الأنبياء والصالحين ، وأن يميت إبليس والشياطين ، وحيث قلب الأمر علمنا أنه فاسد الخامس : أن تكليف أولئك الكفار بالإيمان ، يقتضي تكليفهم بالإيمان بهذه الآيات التي هي دالة على أنهم لا يؤمنون البتة ، وحينئذ يلزم أن يصيروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون البتة ، وذلك تكليف بما لا يطاق ، واللّه أعلم . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 86 إلى 88 ] قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ( 86 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 87 ) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ( 88 ) اعلم أن اللّه تعالى ختم هذه السورة بهذه الخاتمة الشريفة ، وذلك لأنه تعالى ذكر طرقا كثيرة دالة على وجوب الاحتياط في طلب الدين ، ثم قال عند الختم : هذا الذي أدعو الناس إليه يجب أن ينظر في حال الداعي ، وفي حال الدعوة ليظهر أنه حق أو باطل . أما الداعي وهو أنا . فأنا لا أسألكم على هذه الدعوة أجرا ومالا ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال البتة ، وكان من الظاهر أنه صلى اللّه عليه وسلّم كان بعيدا عن الدنيا عديم الرغبة فيها ، وأما كيفية الدعوة / فقال : وما أنا من المتكلفين ، والمفسرون ذكروا فيه وجوها ، والذي يغلب على الظن أن المراد أن هذا الذي أدعوكم إليه دين ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة ، بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته ، فإني أدعوكم إلى الإقرار بوجود اللّه أولا : ثم أدعوكم ثانيا : إلى تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق به ، يقوي ذلك قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأمثاله ، ثم أدعوكم ثالثا : إلى الإقرار بكونه موصوفا بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة ، ثم أدعوكم رابعا : إلى الإقرار بكونه منزها عن الشركاء ، والأضداد ، ثم أدعوكم خامسا : إلى الامتناع عن عبادة هذه الأوثان ، التي هي جمادات خسيسة ولا منفعة في عبادتها ولا مضرة في الإعراض عنها ، ثم أدعوكم سادسا : إلى تعظيم الأرواح الطاهرة المقدسة ، وهم الملائكة والأنبياء ، ثم أدعوكم سابعا : إلى الإقرار بالبعث والقيامة : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 31 ] ثم أدعوكم ثامنا : إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، فهذه الأصول الثمانية ، هي الأصول القوية المعتبرة في دين اللّه تعالى ، ودين محمد صلى اللّه عليه وسلّم وبدائه العقول ، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه الأصول الثمانية ، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة التي أدعو الخلق إليها ،